فخر الدين الرازي
382
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
في كتاب الصحيحين أنه قال : « الكلب خبيث ، وخبيث ثمنه » وإذا ثبت أن ثمنه خبيث وجب أن يكون حراماً لقوله تعالى : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وأيضاً الخمر محرمة لأنها رجس بدليل قوله : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله : رِجْسٌ [ المائدة : 90 ] والرجس خبيث بدليل إطباق أهل اللغة عليه ، والخبيث حرام لقوله تعالى : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ . الصفة التاسعة : قوله تعالى : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحده ( آصارهم ) على الجمع ، والباقون إِصْرَهُمْ على الواحد . قال أبو علي الفارسي : الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه يدل على ذلك إضافته ، وهو مفرد إلى الكثرة ، كما قال : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [ البقرة : 20 ] ومن جمع ، أراد ضروباً من العهود مختلفة ، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما في قوله : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [ الأحزاب : 10 ] . المسألة الثانية : الأصر الثقل الذي يأصر صاحبه ، أي يحبسه من الحراك لثقله ، والمراد منه : أن شريعة موسى عليه السلام كانت شديدة . وقوله : وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ المراد منه : الشدائد التي كانت في عباداتهم كقطع أثر البول ، وقتل النفس في التوبة ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وتتبع العروف من اللحم وجعلها اللَّه أغلالًا ، لأن التحريم يمنع من الفعل ، كما أن الغل يمنع عن الفعل ، وقيل : كانت بنو إسرائيل إذا قامت إلى الصلاة لبسوا المسوح ، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعاً للَّه تعالى ، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة . واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، لأن كل ما كان ضررًا كان إصراً وغلا ، وظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية ، وهذا نظير لقوله عليه الصلاة والسلام : « لا ضرر ولا ضرار » في الإسلام ، و لقوله عليه الصلاة والسلام : « بعثت بالحنيفية السهلة السمحة » وهو أصل كبير في الشريعة . واعلم أنه لما وصف محمداً عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات التسع . قال بعده : فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ قال ابن عباس : يعني من اليهود وَعَزَّرُوهُ يعني وقروه . قال صاحب « الكشاف » : أصل التعزير المنع ومنه التعزير وهو الضرب ، دون الحد ، لأنه منع من معاودة القبيح . ثم قال تعالى : وَنَصَرُوهُ أي على عدوه وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ وهو القرآن . وقيل الهدى والبيان والرسالة . وقيل الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور . فإن قيل : كيف يمكن حمل النور هاهنا على القرآن ؟ والقرآن ما أنزل مع محمد ، وإنما أنزل مع جبريل . قلنا : معناه إنه أنزل مع نبوته لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن . ثم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات قال أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي هم الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 158 ] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 158 )